محيى الدين محمد بن سليمان الكافيجى
65
التيسير في قواعد علم التفسير
قوله تعالى : فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ « 1 » فإنه قد نسخ إطلاقه بقراءة ابن مسعود « فصيام ثلاثة أيام متتابعات » وقراءته مشهورة « 2 » ، وهو نسخ عند الحنفية ، وأما عند الشافعي فهو أي تقييد المطلق كتقييد الرقبة في كفارة اليمين بقيد الإيمان يكون بمنزلة تخصيص العام حتى جوّز ذلك بالقياس وخبر الواحد ، قال : الرقبة عامة تتناول الكافرة والمؤمنة فإخراج الكافرة يكون تخصيصا . هذا ثم إنّ تأخّر أحد النّصّين اللذين لا يعلم تاريخهما عن الآخر قد يكون دلالة كما إذا كان أحدهما محرّما والآخر مبيحا نحو ما روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حرّم الضب ، وروى أنه أباح الضب ، وروى أنه حرّم لحوم الحمر الأهليّة ، وروى أنه أباحها ، وروى أنه أباح الضبع ، وروى أنه نهى عن أكل الضبع ، فالمنفية يجعلون المحرم في أمثال هذه الصور ناسخا للمبيح لأنه متأخر عن المبيح دلالة ، وذلك أن الأصل في الأشياء قبل البعثة هو الإباحة - عند البعض - والمراد من الإباحة هاهنا هو جواز الانتفاع خاليا عن إمارة المفسدة ، فلو جعل المبيح ناسخا للمحرم وهو ناسخ للإباحة الأصلية لتكرر النسخ ، فيجعل المحرم ناسخا للمبيح لئلا يتكرر النسخ عملا بالظاهر ، وذلك أن المراد من تكرر النسخ هاهنا هو تكرر التغيير سواء كان تغيير حكم شرعي أو لا ، والتغيير هاهنا ظاهر عند الكل وتكرره غير ظاهر . والعمل بالظاهر ظاهر . فإن قلت : لا يلزم من عدم اعتبار المحرم في أمر اعتبار المبيح فيه لجواز أن يكون ذلك الأمر واجبا أو مندوبا أو مكروها . قلت : يلزم لأن المراد من المبيح هاهنا ما يقابل المحرم ؛ فإن الإباحة قد
--> ( 1 ) سورة البقرة : 196 . ( 2 ) عزاه السيوطي في الدر المنثور للحاكم ، وقال : هي قراءة أبيّ ( 1 / 389 ) .